بسم الله الرحمن الرحبم
الحمد لله الذي هو عليم بذات الصدور, والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي حث أمته على زيارة القبور, وعلى اله وصحبه الذين كانوا يرجون رحمة ربهم الغفور, أما بعد:
فإنه لا يخفى على من ينتمي إلى الإسلام سنية زيارة القبور واستحبابها للمسلمين, غير أني لما رأيت كثيرا من الزوار لا يعرفون آدابها, فضلا عن أن يهتموا بها فتجرأت على تأليف رسالة تتضمن ما يحتاجون إليه من بيان آداب الزيارة الشرعية.
وهذه الرسالة ذكرت فيها أدلة شرعية واضحة وبراهين ساطعة من الكتاب والسنة, كما أضفت إليها بعض أقاويل العلماء من المذاهب الأربعة المعتبرة, وسميتها "فتح الغفور في آداب زيارة القبور".
فما دام الإنسان حليف الخطأ فلا أدعي عصمة تاليفي من الأخطاء, فرجائي ممن اطلع عليها ووجد أخطاء بها أن يعدلها و يصححها حتى تصل إلى ما يرام.
فالله أسأل أن يجعل هذه الرسالة نافعة لكافة المسلمين, ويكتبها في موازين حسناتي يوم الدين, إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير, وهو حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
كتبها في قدس :5 شوال 1430ه
25 سبتمبر 2009م
الضعيف الكثير المساوي, أبو سابق القدسي
بسم الله الرحمن الرحيم
[فصل في وجوب المبادرة بالتوبة قبل الموت]
اعلم أنه يتعين على كل مكلف المبادرة بالتوبة قبل الموت, لأن لا يفجأه الموت المفوت لها, والمريض آكد من غيره. ويكره تمني الموت لغير خوف على دينه. ويجب عليه تلقيه بالرضا والسرور حبا في لقاء الله عز وجل لحديث روي عن عاءشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه, ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه,فقلت: يا نبي الله أكرهية الموت؟ فكلنا يكره الموت؟ قال: ليس ذلك,ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه, وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه. [رواه البخاري :4/2065/2684]
[فصل في استحباب تلقين المحتضر بلا إله إلا الله]
ويستحب للمحتضر أن يلقن بلا إله إلا الله ليكون آخر كلامه كما روي في الحديث أن من كان آخر كلامه لاإله إلاالله دخل الجنة [رواه مسلم :1/95/94], وعملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لاإله إلاالله". [رواه مسلم:2/631/916]
والمراد بالتلقين ههنا التذكير, فقد قال الإمام النووي رحمه الله: "الأمر بهذا التلقين أمر ندب. وأجمع العلماء على هذاالتلقين, وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لأن لايضجر بضيق حاله وشدة كربه, فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق". [شرح صحيح مسلم:7/1133]
[فصل في حكم قراءة القرءان على المحتضر]
وقد استحب بعض العلماء كنحو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [كما ذكر في الإختيارات الفقهية:1/447] قراءة القرآن للمحتضر.
وأصحاب هذاالاتجاه يستدلون بما يلي:
- عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأوا يس على موتاكم. [رواه أبو داود:3121 وغيره], ولكن هذاالحديث ضعيف لا يحتج به.
- قال الشعبي: كانت الأنصار يقرأون عند الميت سورة البقرة. [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه] وهو حديث ضعيف أيضا.
- ما روي عن جابر بن زيد أنه كان يقرأ عند الميت سورة الرعد. [رواه ابن أبي شيبة: 2/445/10852].لكن هذا فعل تابعي, وفعل تابعي ليس بحجة ولا يثبت به الحكم كما تقرر ذلك في الأصول.
والصحيح أن القراءة على المحتضر بدعة مكروهة لضعف ما ورد في ذلك. ولكنها تباح إذا كانت على وجه التبرك وتذكيره بما اشتمل عليها من الوعيد أوالبشارة أوأحوال يوم القيامة أو البعث فإنه سوف يتجدد ذكر تلك الأحوال. وهذا هو الأرجح وإليه ذهب الإمام مالك وأكثر أصحابه وجماعة من الشافعية. [انظر حاشية الدسوقي:1/423, مغني المحتاج:1/33]
[فصل في استحباب الاسترجاع عند المصيبة]
وإذا تحقق للمريض أو المحتضر أنه قد مات فيستحب لأهله الإكثار من الإسترجاع والدعاء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : "إنا لله وإنا إليه راجعون,اللهم اجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها " إلا أجر الله في مصيبته وأخلف خيرا منها. [رواه مسلم : 2/632/918]
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم, فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم, فيقول: ماذا قال عبدي؟ حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد". [رواه الترمذي: 3/332/1021]
[فصل في واجبات الأحياء نحو الميت المسلم]
يجب في الميت المسلم غير شهيد المعركة وغير السقط ولو قاتل نفسه- على القول الراجح –خمسة أشياء: غسله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه على سبيل فرض الكفاية إن علم بموته جماعة, فإن لم يعلم به واحد تعين عليه, ومتى قام بذالك واحد سقط الطلب عن الجميع, فإن لم يعلم به أحد إلا بعد ظهور رائحته فلا حرمة على أحد لعدم العلم به, نعم يحرم على نحو جاره ممن حقه السؤال عنه. أما الكافر فإن كان ذميا وجب تكفينه ودفنه وفاء بذمته وعلينا مؤن تجهيزه حيث لم يكن له تركة ولا من يجب عليه نفقته وتحرم الصلاة عليه ولا يجب غسله. وإن كان حربيا أو مرتدا فلا يجب فيه شيء. [انظر نهاية الزين: 149]
وفي ذلك كله وردت أحاديث كثيرة أذكرها على سبيل المثال وهي :
- أن رسول الله صلى الله عليه وسام قال: من غسل ميتا وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم يفش عليه ما رأى خرج من خطيئته مثل ما ولدته أمه. [رواه ابن ماجه: 1/469/1462] ضعفه الألباني.
- وقال صلى الله عليه وسلم: من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين, كل قيراط مثل أحد, ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط. [رواه البخاري: 1/18/47]
- وقال صلى الله عليه وسلم: حق المسلم على المسلم ست, قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصحه وإذا عطش فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه. [رواه مسلم: 4/1705/2162]
[فصل:في وجود عذاب القبر ونعيمه]
اعلم رحمك الله أن الموت مفارقة الروح من الجسد, فالميت وإن كان جسده منكسرا زائلا في القبر لكنه بقبت حياته البرزخية, وهذه الحياة ليست كحياته في الدار الدنيا حيث انقطعت فيها أعماله التي قدمت يداه.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن في القبر عذابا ونعيما, فالمؤمن الصالح يستأنس في قبره بأعماله الحسنة التي يتخلص بها من اختبار الملكين وهما منكر ونكير, وبينما الكافر الطالح الذي ليس له أدنى إيمان سوف ينال عديدا من العذاب وأنواعا من الأذى لكونه يفشل في اختبار الملكين ولم تعنه أعماله على إنقاذه منهما.
[فصل:في أعمال تسبب عذاب القبر ونعيمه]
وقد ورد العذاب في القبر بمعاص عديدة منها: عدم التنزه عن البول, والنميمة, والغلول من المغنم, والكذب, والنوم عن الصلاة, وهجر القرأن, والزنا, وعدم رد الدين وغير ذالك. كل من هذه الأعمال تسبب عذاب القبر فيجب على المسلم الإجتناب عنها.
وهناك أعمال تنجي صاحبها من عذاب القبر وهي العمل الصالح الخالص لله تعالى والتعوذ بالله عز وجل من عذابه عقب الصلوات المفروضة وقراءة سورة الملك وغير ذلك.
فأما الذين يعصمون من عذاب القبر كما ذكر في الأحاديث الصحيحة فهم الشهيد والمرابط والميت يوم الجمعة والمبطون وغيرهم. [انظر تفاصيله في تفسير العشر الأخير من القرءان الكريم من كتاب زبدة التفسير: 128 ]
[فصل في خوف السلف على شأن القبر]
اعلم وفقك الله لطاعته أن القبر إما أن يكون حفرة من حفر النيران وذالك للكفار والمنافقين, وإما أن يكون روضة من رياض الجنان وذلك للمؤمنين المخلصين. فالأمر في القبر ليس هينا وقد كان السلف الصالحٍٍٍ جعلوا خوفهم على شأن القبر نصب أعينهم. هذا هو سيدنا عثمان رضي الله عنه الخليفة الثالث المعروف بكرمه وجوده وأحد المبشرين بالجنة كان إذا وقف على قبر يبكي عليه حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن القبر أول منزل من منازل الأخرة فإن نجى منها فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده شر منه.و قال:ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه. [ رواه الترمذي :4/553/2308]
وكان رضي الله عنه إذا رأى أحدا ينزلونه القبر أنشد:
فإن تنج منها تنج من ذي عظمة #
وإلا فإني أخالك ناجيا
[ حلية الأولياء :2/241]
وروى ابن ماجه عن أنس عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر وبكى وأبكى حتى بل الثرى وقال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا.[ 2/1403/4195]. ضعف إسناده الشيخ محمد فؤد عبد الباقي.
وكان يزيد الرقاشي يقول: من مر على قبر ولم يعتبر به فهو من البهائم. [مختصر تذكرة القرطبي:28]
وفي الحديث: "ما الميت في قبره إلا شبه الغريق المغوث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو ولد أو صديق ثقة فإذا لحقته كانت أحب أليه من الدنيا وما فيها". [رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس رضي الله عنهما, انظر شرح عقود الجمان: 176 للسيوطي]
وإذا عرفت هذا فالميت في القبر كغريق في البحر يحتاج إلى المساعدة لأنه ينقطع عمله. وعلى هذا الإنطلاق يستحب للحي أن يدعو لأهل قبوره ويزور قبورهم ويسلم عليهم.
[فصل :في غرض من زيارة القبور]
الذي يجب أن يلاحظ هنا أن الغرض من زيارة القبور يقتصر على تحقيق شيئين فقط لا ثالث لهما كما يقتضيه بيان فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام ومن بعدهم في القرون المفضلة الثلاثة, وهما الاتعاظ وتذكر الموت والآخرة فيكون بمجرد رؤية القبور من غير معرفة أصحابها, والثاني الدعاء لأهل القبور والإحسان إليهم والترحم والسلام عليهم إذا كانوا مسلمين.
وأما من زاد على ما تقدم فهو مبتدع يطلب منه دليل عليه, فالزيارة التي هذه صفتها هي التي قررها العلماء.
[فصل في افتراءات على شيخ الإسلام ابن تيمية حول زيارة القبور]
كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أئمة أهل السنة والجماعة. وهو ممن يحث الناس على زيارة القبور بشروطها الخاصة اتباعا لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة. لكنني أتعجب من بعض الكتاب الذين ينتسبون إلى العلوم الشرعية حيث إنهم صرحوا بأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حرم زيارة القبور وتفرد رأيه في هذه المسألة. ولا شك أن مثل هذه الأقاويل محض الافتراء عليه وكذب خالص. فمن استقرأ وتتبع فتاواه يجد بطلان هذه الافتراءات, لأنه ما حرم الزيارة قط إلا إذا اشتملت على الأمور السيئة والبدع المستحدثة.
[فصل: في حكم زيارة القبور]
اعلم رحمك الله أن العلماء اتفقوا على أن زيارة القبور سنة في حق الرجال, وقد نص على ذلك أحاديث عديدة منها:
- ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي, فزوروا القبور فإنها تذكر الموت. [رواه ابن أبي شيبة: 3/29/11807]
- وعن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة. [رواه أحمد : 17/429/11329]
- وعن أبي بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور, فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الأخرة. [رواه الترمذي:3/361/1054]
[فصل في حكم زيارة النساء للقبور]
اختلف العلماء في حكم زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال:
1-القول الأول: أنها مكروهة, وهذا مذهب الجمهور وأدلتهم ما يلي:
-عن أبي هريرة رضي الله عنه: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور. [رواه ابن ماجه: 1/502/1576]حسنه الألباني.
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: كيف أقول يا رسول الله؟-تعني في زيارة القبور-قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين ويرحم الله المستقدمين منكم ومنا والمستأخين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. [رواه مسلم: 2/669/974]
- عن أنس رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال لها: اتقي الله واصبري, قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي. [رواه البخاري:3/115-116]
- ولأن المرأة قليلة الصبر كثيرة الجزع, وفي زيارتها للقبور تهييج لحزنها وتجديد لذكر مصابها ولا يؤمن أن يفضي بها ذلك إلى فعل محظور.
2-القول الثاني: أنها محرمة وأدلة ذلك ما يلي:
- ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور. [رواه ابن ماجه: 1/502/1576]حسنه الألباني.
- وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. [شرح صحيح مسلم:7/2/938]
- وأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى فاطمة بنته فقال: ما أخرجك من بيتك؟ فقالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت على ميتهم, وفي لفظ [أو عزيتهم به] فقال لها : فلعلك بلغت معهم الكدى [ أي القبور] قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر فقال: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. [رواه أبو داود:3/192/3123]
- ولأن ذلك سبب لتأذية الميت ببكائها ولافتتان الرجال بصوتها وصورتها ولا سيما في العصر الحاضر ما يحصل منهن من بدع وتبرج وفساد وفواحش عن طريق مثل هذه الزيارة.
3-القول الثالث: أنها جائزة, وأدلة ذلك ما يلي:
- قول الرسول صلى الله عليه وسلم : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. [شرح صحيح مسلم :7/46/977]
- عن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم في المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الحمن بن أبي بكر فقلت: أليس رسول الله صلى الله عليى وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت : نعم, ثم أمر بزيارتها. [رواه الحاكم:1/376,وصححه الألباني في أحكام الجنائز:23]
- حديث زيارة عائشة المتقدم. [رواه مسلم:974]
- حديث امرأة تبكي عند القبر المتقدم. [رواه البخاري:3/115-116]
الترجيح:
والذي يترجح عندي بعد ذكر أدلة كل هو القول بأن زيارة النساء للقبور مكروهة. وهذا مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية, لكون الإعتبار بأدلة المنع والجواز. إلا أن قاعدة سد الذريعة في الشريعة الإسلامية تقوي أدلة المنع والتحريم, لأنا نرى في عصرنا الحاضر ما تفعله النساء عند زيارة القبور من البدع والإستغاثة بصاحب القبر والدعاء به والتبرج والإفتتان, وقد كثر الفساد وانتشرت الفواحش بسبب ذلك, فالأرجح هو المنع وهو اختيار شيخ الأسلام ابن تيمية. [انظر أحكام إهداء القرب للأموات:135]
لاسيما وقد اتفق الفقهاء على أن زيارة النساء للقبور إن كان لتجديد الحزن والبكاء والندب ولطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعر ونشره وحلقه ونحو ذلك من الأمور المنهي عنها شرعا فإن هذه الزيارة لا تجوز. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا علمت المرأة من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل لم تجز لها الزيارة بلا نزاع. [مجموع فتاوى:3/57]
[فصل : في آداب زيارة القبور]
يجب على المسلم إذا أراد زيارة القبور مراعاة ما يلي:
1-يجب على الزائر أن يكون قصده من الزيارة ابتغاء لوجه الله تعالى و تقربا إليه عز وجل, فقد قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. [سورة البينة:5]
2-وأن يجعل الزائر زيارته للقبور اتعاظا وتذكرا للموت والآخرة أو للدعاء لأهل القبور أو الترحم والسلام عليهم والإحسان إليهم.
3-وأن لا يجعل الزائر زيارته للقبور تبركا بأهل القبور لأن ذلك من البدع المنكرة. فما زار النبي صلى الله عليى وسلم قبرا قط لهذا المقصود.
4-وأن تكون الزيارة لا تحتاج إلى شد الرحال إليها لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد, المسجد الحرام, ومسجدي هذا, والمسجد الأقصى. [رواه أبو داود :2/216/2033]
ولأنه من البدع السيئة ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحث عليه صحابته الكرام ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم- والخير كله في اتباع السلف-. وإنما الذي أجازه وحث عليه هو من جاء بعدهم من العلماء المتأخرين كالإمام الغزالي ومن وافقه من المقلدين, بيد أنه قد قال في كتابه الإحياء تحت عنوان "فضيلة المدينة المنورة عليى سائر البلاد "ما نصه: وقد ذهب بعض العلماء إلى الإستدلال بهذالحديث [لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد] في المنع من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء والصلحاء...اه
لكنه خالف هذا القول السديد وصرح بأن الرحلة لزيارة المشاهد مأمور بها.
هذا وإني أتعجب مما ذكر في رسالة صغيرة درستها حين كنت طالبا في المرحلة المتوسطة سماها مؤلفها "حجة أهل السنة والجماعة". وإن كانت بعض المواد الموجودة فيها مخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة. وقد قال مؤلفها أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد انفرد بتحريم شد الرحال إلى زيارة القبور, وأن الجمهور على حلاف ذلك, وأنه خرق إجماع العلماء على جوازه وغير ذلك من الافتراءات الكاذبة. مع أن المؤلف المذكور قد اطلع على كتاب للغزالي ولاحظ أقوالا كثيرة للعلماء المعتبرين حول هذا الموضوع قد سبقت قول ابن تيمية كنحو الإمام أبي المعالي الجويني والقاضي عياض و أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ وأَبِي هُرَيْرَةَ وغيرهم.[سبل السلام:1/598]
5-يجب على الزائر أن يجتنب عن التمسح وتقبيل تراب القبر طلبا لبركة أهل القبور. لأن ذلك بدعة مذمومة لاأصل له من الكتاب ولا من السنة الصحيحة وقد يجر صاحبه إلى مزالق الشرك. وقد قال الإمام ابن عساكر الشافعي : وليس من السنة أن يمس جدار القبر المقدس، ولا أن يقبله، ولا يطوف به، كما يفعله جهال الزوار، بل يكره ذلك ولا يجوز، والوقوف من بعدٍ أقرب إلى الاحترام.وحكى شيخنا أبو عمرو رحمه الله: أن الإمام أبا عبد الله الحليمي حكى عن بعض أهل العلم أنه نهى عن إلصاق البطن والظهر بجدار القبر، وعن مسحه باليد، وذكر أن ذلك من البدع.وقال شيخنا: وما قاله شبيهٌ بالحق.وكذلك الانحناء للقبر المقدس عند التسليم، فإنه بدعةٌ، يظن من لا علم له إنه من شعار التعظيم.[ إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم: 1/61]
وأما ما روي عن الإمام أحمد والطبري أنهما سوغا ذلك فيحتاج إلى دقة التحقيق, وأيضا لو كان صحيحا فلا حجة فيه لمخالفته للأدلة الساطعة ولأسباب قدمناها سابقا. [انظر بغية المسترشدين:98]
ٍٍٍٍٍٍ6-لا يحسن بالزائر طرح الشجر الأخضر أو الأزهار على القبر ولو استحسنه بعض العلماء. وقد أنكره جماعة من العلماء المحققين كالإمام الخطابي الشافعي وغيره لعدم الاستناد الصحيح الصريح إليه شرعا. ولأن ذلك تبذير وهو محرم. وكذلك لا يجوز غرس الشجر على القبر وسقيها مع اعتقاد معين. فإن أدى وصول النداوة أو عروق الشجر إلى الميت حرم لأنه من باب إيذاء الميت وإلا كره كراهة شديدة. [انظر بغية المسترشدين:98]
7-لا يجوز للزائر أن يجلس على القبر والقعود عليه لحديث "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه ". [رواه مسلم: 2/667/970].
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". [رواه مسلم:2/667/971].
وقد ذكر بعض العلماء كالشيخ محمد بن أبي بكر الأشخر اليمني الشافعي أن المقصود من الجلوس هنا عند الجمهور هو الجلوس لقضاء الحاجة. [انظر بغية المسترشدين:98, إرشاد العباد:33].
قلت: والصحيح أن ذلك الجلوس عام لجميع هيئات الجلوس على الإطلاق, ولأن العبرة بعموم اللفظ, لكنه أصبح أشد زجرا وأكبر ذنبا إذا كان لقضاء الحاجة.
وكذلك لا يجوز إدخال الدواب التربة وإيطاؤها القبور, وهو أشد من وطء الآدمي بنفسه لحديث سابق. ويحرم جعل العجور يعني علف المواشي والطعام على المقبرة وشغل شيئ منها إذ هي موقوفة للدفن. [انظر بغية المسترشدين:98]
زيادة: في حكم تجصيص القبر والبناء عليه والصلاة إليه
اعلم أن العلماء من المذاهب الأربعة اتفقوا على تحريم تجصيص القبروالبناء عليه والصلاة إليه, والدليل على ذلك حديث: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه". [رواه مسلم: 2/667/970]. - وعن عائشة رضي الله عنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورأنبيائهم مساجد". قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.(رواه البخاري:2/88/1330).
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". (رواه اليخاري:1/95/437)
- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له, فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول : "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". تقول عائشة: يحذر ما صنعوا. (رواه البخاري :1/95/435)
- عن عاشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية, وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي صلى الله عليى وسلم رأسه فقال: "أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". (رواه النسائي: 2/41/704).
- عن الحارث النجراني قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد , ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك". (رواه ابن أبي شيبة: 2/150/7546)
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليى وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا, لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". (رواه أحمد: 12/314/7358)
قال الإمام النووي: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه. وأما البناء عليه فإن كان في ملك الباني فمكروه, وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام,نص عليه الشافعي والأصحاب, قال الشافعي في الأم: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. [شرح صحيح مسلم:7/1179]
ويئيد الهدم قول علي رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ضلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته". [شرح صحيح مسلم:7/1177].
ومن باب البناء على القبور اتخاذها مساجد. وقد اتفق العلماء من المذاهب الأربعة على تحريم ذلك, ومنهم من جعله كبيرة, وتفاصيله كالنحو التالي:
(عند مذهب الحنفية)
- فقد قال الإمام محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة في كتابه "الآثار (ص:45): "لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر, ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدا".
اعلم أن الكراهة عند الحنفية المتقدمين إذا أطلق فهي للتحريم كما هو معروف لديهم.
- قال الشيخ أحمد الرومي الحنفي (ت 1043) كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار (ص366): المساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض وكذا القباب التي بنيت على القبور يجب هدمها لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفته".
(عند مذهب المالكية)
- فقد قال الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرأن (10/.38): قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد".
(عنذ مذهب الشافعية)
- فقد قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في( الزواجر عن اقتراف الكبائر:1/224):
الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها". ثم قال في موضع آخر(1/245): (التنبيه): عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث, ووجه اتخاذ القبر مسجدا منها واضح, لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة, ففيه تحذير لنا كما في رواية"يحذر ما صنعوا" أي يحذرأمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك, فيلعنوا كما لعنوا. ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والعلماء تبركا وإعظاما. ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام. وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث المذكورة لما علمت, قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا به عين المحادة لله ورسوله وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها تم إجماعا. فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها, والقول باكراهة محمول على غير ذلك, إذ لايظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله. ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار, لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأنه نهى عن ذلك وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفةووتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر, ولا يصح وقفه ونذره".
- قال الحافظ العراقي الشافعي: "لو بني مسجد بقصد لأن يدفن (أي الميت) في بعضه دخل في اللعنة, بل يحرم الدفن في المسجد, وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدا". (فيض القدير للمناوي:5/47)
(عند مذهب الحنابلة)
- فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحمد لله اتفق الأئمة على أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك), وأنه لايجوز دفن ميت في مسجد. وإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا. وإن كان المسجد بني بعد القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه".(مجموع الفتاوى:1/107.2/192)
وقال في موضع آخر: "ويحرم الإسراج على القبور واتخاذ المساجد عليها وبناؤها, ويتعين إزالتها ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين. (الاختيارات الفقهية: 1/445)
ولعل سائلا يسأل:ما المراد باتخاذ القبور مساجد؟
فقلت: قال المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "إنما هو ثلاث معان الأول الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها, الثاني السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء, الثالث بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها. (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد:21)
- قال الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي: واتخاذ القبور مساجد معناه الصلاة عليه أو إليه. (الزواجر عن اقتراف الكبائر:1/121)
- قال الإمام الصنعاني: واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها. (سبل السلام:1/214)
- قال الإمام الشافعي: وأكره أن يبنى على القبر مسجد وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى (يعنى أنه ظاهر معروف) أو يصلى إليه قال: وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء. (الأم:1/317)
- قال صاحب كتاب إرشاد العباد وهو من علماء الشافعية المتأخرين: قال أصحابنا: يحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء والشهداء والعلماء تبركا بذي القبر وإعظاما له وإيقاد السراج على القبور تبركا وتعظيما به وإن قل. (إرشاد العباد:33)
- قال الشيخ ملا علي القاري نقلا عن بعض أئمة الحنفية: سبب لعنهم إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لهم وذلك هو الشرك الجلي, وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك إما لمشابته ذلك الفعل صفة اليهود أو لتضمنه الشرك الخفي.هذا ما قاله بعض الشراح من أئمتنا,ويؤيده ما جاء في رواية : يحذر ما صنعوا. (مرقات المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:2/600)
قلت: وأما الصلاة على الميت على القبر فذهب الشافعي وموافقوه إلى جوازها, سواء كان صلي عليه أم لا, وهو مذهب جمهور العلماء. وأدلتهم ما يلي:
- حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر. (رواه مسلم:7/1169)
- صلاته صلى الله عليه وسلم على البراء بن معرور فإنه مات والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلما قدم صلى على قبره, وكان ذلك بعد شهر من وفاته. (سبل السلام:2/188)
- صلاته صلى الله عليه وسلم على الغلام الأنصاري الذي دفن ليلا ولم يشعر صلى الله عليه وسلم بموته. (رواه البخاري.سبل السلام:2/188)
- عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد قال: فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماتت فقال: أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها فقال: دلوني على قبرها. فدلوه فصلى عليها. (رواه مسلم :2/659/956)
قال الإمام الصنعاني: وأما القول بأن الصلاة على القبر من خصائصه صلى الله عليه وسلم فلا تنهض لأن دعوى الخصوصية خلاف الأصل. (سبل السلام:2/189)
9-ومن الآداب التي يجب مراعاتها على الزائرين الاجتناب عن النياحة والبكاء على الميت ولطم الخد وخمش الوجه وشق الجيب لورود النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة منها:
- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه. (رواه مسلم:2/639/927)
- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. (رواه البخاري: 2/82/1297)
- عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور. (رواه ابن ماجه :1/505/1585)
قلت: هذا البكاء المحرم هو الذي يقترن به نوح وصياح. وأما إذا كان مجرد دمع العين فلم ينه عنه صلى الله عليه وسلم لأنه فعله وأخبر بأنه ليس بحرام وأنه رحمة, هكذا ذكره النووي في شرح صحيح مسلم (7/1148)
- عن أنس رضي الله عنه قال: شهدنا بنتا للنبي صلى الله عليه وسلم تدفن ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان. (رواه البخاري: 2/79/1285)
9-ومن آداب زيارة القبور الاجتناب عن قراءة القرآن فيها لأنها بدعة لم يفعلها السلف الصالح من الصحابة الأبرار, كما أفاده جماعة من العلماء المحققين.
- وفي المغني (2/422) : وروي عنه (أي أحمد) أنه قال : القراءة عند القبر بدعة.
- وفي فتاوى قاضيخان: وتكلموا في قراءة القرآن عند القبر, قال أبو حنيفة: يكره (أي كراهة تحريمية). (هامش الفتاوى الهندية:1/162)
- قال ابن الحاج : وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْقُبُورِ بِدْعَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ انْتَهَى.(المدخل:1/267)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما جعل المصاحف عند القبر لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف بل هي تدخل في معنى اتخاذ المسجد على القبور. (مجموع الفتاوى: 1/51)
- قال الإمام ابن قيم الجوزية: وكان من هديه صلى الله عليى وسلم تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء وأن يقرأ القرآن لا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة. (زاد المعاد:1/527)
وقال صلى الله عليه وسلم : لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقر. (رواه مسلم:1/579/780).
وقد ذهب بعض العلماء كالشافعية إلى جواز بل استحباب القراءة على القبر مستدلين بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما (يس)غفر له.
لكنه حديث ضعيف, قال ابن عدي (صاحب الكامل في الضعفاء) : وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل. ( فيض القدير :6/141/8717)
وغير ذلك مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كله باطل. على كل حال, القول الصحيح في هذا الباب هو أن قراءة القرآن عند القبر بدعة. فلا تجوز سواء قبل دفن الميت أو بعده, حيث لم يقم دليل من الكتاب أو من السنة بسند صحيح أو حسن مقبول على جواز ذلك أو الترخيص فيه فضلا عن استحبابه.
وقد تكلم صاحب حاشية الروض المربع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي عن درجة الأحاديث الواردة في هذا الباب فقال:...وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة وليس فيه حديث صحيح ولا حسن. والأحاديث الصحيحة في النهي عن العكوف عند القبر واعتبارها متظاهرة... ولو كان مشروعا لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وفيه مفسدة عظيمة كما في الصلاة عنده بل هو عكوف عند القبرمضاهاة لما يعتاده عباد القبور من العكوف عندها بأنواع القرب بل وسيلة إلى عبادتها. (حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع:3/138).
[ فصل في حكم إهداء ثواب القراءة للميت]
وأما إهداء ثواب القراءة للميت فقد اختلف العلماء في وصوله على مذهبين:
- ذهب الإمام أحمد بن حنبل وبعض العلماء إلى وصول ثواب القراءة إلى الميت.
- ذهب الإمام الشافعي و كثير من العلماء إلى أن ثواب القراءة لا يصل إلى الميت, وهو الصحيح, احتجاجا بقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. (النجم:39), وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث, صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو به. (رواه الترمذي : 3/652/1372)
- قال الشيخ العز بن عبد السلام الشافعي: وأما ثواب القراءة فمقصور على القارئ لا إلى غيره. (الفتاوى:68)
- سئل الحافظ ابن حجر العسقلاني عمن قرأ شيئا من القرآن وقال في دعائه : اللهم اجعل ثواب ما قرأته زيادة وشرف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأجاب بقوله: فهذا مخترع من متأخري القراء ولا أعرف لهم سلفا. (تفسير المنار:7/269)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرأوا القرآن أن يهدوا ثواب ذلك إلى أموات المسلمين فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأعلى. (الاختيارات الفقهية:1/448)
- قال الشيخ الألباني: ومما سبق يعلم أن قول الناس اليوم في بعض البلاد "الفاتحة على روح الميت" مخالفة للسنة المذكورة, لا سيما والقراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح. (حاشية أحكام الجنائز:1/33)
- قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي: الميت لا يقرأ عليه مبني على ما أطلقه المتقدمون من أن القراءة لا تصله أي الميت لأن ثوابها للقارئ والثواب المترتب على عمل لا ينقل عن عامل ذلك العمل. (الفتاوى الفقهية الكبرى:2/9)
وقد أفردت البحث عن هذه المسألة في رسالة متوسطة سميتها "القول الرائق في تبيين الحقائق". فمن أراد الاستزادة فليرجع إليها إن شاء.
10-ومن آداب الزيارة أنه لايجوز للزائر التوسل بأهل القبر لقضاء حوائجه فضلا عن سؤالهم, فالميت لاينفع نفسه وكيف ينفع غيره من الأحياء, وكذلك لا يجوز التوسل بجاههم, لأن مثل هذه التوسلات لا أصل لها من السنة الصحيحة ولم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحث أمته عليها, فإذا هي معدودة من البدع المستحدثة المنكرة, وقد ألف كثير من العلماء كتبا مستقلة في بيان التوسل وأنواعه كالشيخ ابن تيمية والشيخ محمحد نسيب الرفاعي, والشيخ محمد ناصر الدين الألباني وقد أجادوا فيها.
والحاصل أن التوسل هو التقرب إلى الله بطاعته وعبادته واتباع أنبيائه ورسله وبكل عمل يحبه الله ويرضاه.
وينقسم التوسل إلى قسمين: المشروع والممنوع.
- فالتوسل المشروع هو كل توسل ندبنا الله تعالى إليه في كتابه وحثنا عليه ووضحه لنا رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم, وهو ثلاثة أقسام:
1- توسل المؤمن إلى الله تعالى بذاته العلية وبأسمائه الحسنى وبصفاته العلى.
2- توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة.
3- توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المسلم الصالح الحي الحاضر الذي يظن إجابة دعائه.
- والتوسل الممنوع هو: توسل المؤمن إلى الله تعالى بعمل مخالف لكتابه مجانف لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وهو ثلاثة أقسام:
1-التوسل إلى الله تعلى بذات الميت كأن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بفلان ميت أن تقضي حاجتي.
2-التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان أو حقه أو حرمته أو بركته, كأن يقول : اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان عندك أو بحقه عليك أو بركته أن تقضي حاجتي.
3-الإقسام على الله بالمتوسل به كأن يقول: اللهم أقسم عليك بفلان أن تقضي جاجتي.
فكل من هذه الأوجه الثلاثة محرم لا يجوز فعله, وهو في الحقيقة باطل ومخالف لأصول الدين ونصوص الشريعة.
- قال الإمام أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به.( صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان: 1/201)
- قال الشيخ العلامة محمد بن سليمان الكردي المدني الشافعي: جعل الوسائط بين العبد وبين ربه فإن صار يدعوهم كما يدعو الله في الأمور ويعتقد تأثيرهم في شيئ من دون الله فهو كفر, وإن كان نيته التوسل بهم إلى الله تعالى في قضاء مهماته مع اعتقاد أن الله هو النافع الضار المؤثر في الأمور دون غيره فالظاهر عدم كفره وإن كان فعله قبيحا. (انظر بغية المسترشدين:249)
11-ومن آداب الزيارة أنه لا يجوز للزائر الاعتقاد بأن الدعاء في القبور أحسن وأرجى للإجابة لأن ذلك بدعة, فما اعتاده كثير من الناس من ذهابهم إلى القبور بقصد الدعاء عندها يعتبر من المنكرات التي يتعين إزالتها.
- قال الحافظ السيوطي الشافعي: فأما إن قصد الإنسان الصلاة عندها (أي القبور) أو الدعاء لنفسه في مهامه وحوائجه متبركا بها راجيا للإجابة عندها فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وشرعه وابتداع دين لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين المتبعين آثاره وسننه. (الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع: 1/118)
- قال الشيخ العلامة محمد بن بشير السهسواني الهندي أن المقصود من الدعاء الذي ينهى عنه عند القبر هو الدعاء الذي يقصد زيارة القبور لأجله ويظن أن الدعاء عند القبر مستجاب وأنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد زيارته لأجل طلب حوائجه, وأما الدعاء لنفسه عند القبر بالعافية وعدم .رمان الأجر وعدم الفتنة تبعا للدعاء لأصحاب القبور والترحم عليهم والاست
Tidak ada komentar:
Posting Komentar